محمد بن جرير الطبري
108
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به . يقول : فلا تهابوا أولياء الشيطان ، فإنما هم حزبه وأنصاره ، وحزب الشيطان أهل وهن وضعف . وإنما وصفهم جل ثناؤه بالضعف ، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب ، ولا يتركون القتال خوف عقاب ، وإنما يقاتلون حمية أو حسدا للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله ، والمؤمنون يقاتل من قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله ، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه ، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل ، وبما له من الغنيمة والظفر إن سلم . والكافر يقاتل على حذر من القتل ، وإياس من معاد ، فهو ذو ضعف وخوف . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد ، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة ، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال ، فلما فرض عليهم القتال شق عليهم ذلك وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه . فتأويل قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ألم تر بقلبك يا محمد فتعلم إلى الذين قيل لهم من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربك أن يفرض عليهم القتال : كفوا أيديكم ، فأمسكوها عن قتال المشركين وحربهم . وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يقول : وأدوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها . وَآتُوا الزَّكاةَ يقول : وأعطوا الزكاة أهلها ، الذين جعلها الله لهم من أموالكم ، تطهيرا لأبدانكم وأموالكم ؛ كرهوا ما أمروا به من كف الأيدي عن قتال المشركين ، وشق ذلك عليهم . فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ يقول : فلما فرض عليهم القتال الذي كانوا سألوا أن يفرض عليهم ، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يعني : جماعة منهم يَخْشَوْنَ النَّاسَ يقول : يخافون الناس أن يقاتلوهم ، كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً أو أشد خوفا . وَقالُوا جزعا من القتال الذي فرض الله عليهم : لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لم فرضت علينا القتال ، ركونا منهم إلى الدنيا ، وإيثارا للدعة فيها والخفض ، على مكروه لقاء العدو ، ومشقة حربهم وقتالهم . لَوْ لا أَخَّرْتَنا يخبر عنهم ، قالوا : هلا أخرتنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني : إلى أن يموتوا على فرشهم وفي منازلهم . وبنحو الذي قلنا إن هذه الآية نزلت فيه قال أهل التأويل . ذكر الآثار بذلك ، والرواية عمن قاله : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي ، قال : أخبرنا الحسين بن واقد ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة فقال : " إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا " فلما حوله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا ، فأنزل الله تبارك وتعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ الآية . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن الناس ، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن جريج : وقوله : وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قال : إلى أن نموت موتا هو الأجل القريب . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فقرأ حتى بلغ : إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قال : كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة ، تسرعوا إلى القتال ، فقالوا لنبي الله صلى الله عليه وسلم : ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين بمكة فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، قال : " لم أؤمر بذلك " . فلما كانت الهجرة وأمر بالقتال ، كره القوم ذلك ، فصنعوا فيه ما تسمعون ، فقال الله تبارك وتعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال :